قالت عائشة رضي الله عنها واصفة كلامه صلى الله عليه وسلم: «كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ». متفق عليه.
وصف يبدو بسيطًا، لكنه يختصر سرًّا كبيرًا. فالمتكلم السريع يفوت السامع، والمتكلم المسترسل يذهب بالمعنى في الحشو. أما من يمكن عدّ كلامه فهو الذي يزن الألفاظ ويعطي كل معنى قدره من اللفظ لا أكثر.
وتأمل أثر هذا في حفظ السنة: كلام موزون بطيء واضح يُحفظ من أول مرة، وكلام مسترسل سريع يحتاج إعادة ومراجعة. فالأسلوب نفسه كان جزءًا من أسباب حفظ الحديث ونقله بدقة.
وهذا مدخل مناسب للحديث عن الفصاحة النبوية، إذ ليست فصاحة زخرف وتنميق، بل فصاحة دقة ووضوح واقتصاد.
أولًا: ما الفصاحة وما البلاغة؟
قبل الخوض في الخصائص، لا بد من تحرير المصطلحين:
الفصاحة وصف للفظ: أن يكون واضحًا سليمًا، خاليًا من الغرابة وتنافر الحروف ومخالفة القياس.
البلاغة وصف للكلام مع المتكلم: أن يكون مطابقًا لمقتضى الحال مع فصاحته.
فقد يكون اللفظ فصيحًا وهو في غير موضعه فلا يكون بليغًا. والكلام النبوي جمع الوصفين: ألفاظ سليمة واضحة، ومواقع دقيقة لكل لفظ.
ثانيًا: إحدى عشرة خاصية في الكلام النبوي
1. الإيجاز مع الإحاطة
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك فقال: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ». متفق عليه. ومعناه أن يجمع اللفظ القليل المعنى الكثير.
وأمثلته كثيرة: «لَا تَغْضَبْ»، و«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، و«الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».
2. الوضوح التام
قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ». رواه أبو داود.
والكلام "الفصل" هو البيّن المفصول بعضه عن بعض، لا يختلط ولا يلتبس. وهذه خاصية عظيمة في خطاب موجه إلى أمة فيها الأمي والفصيح والعربي والأعجمي.
3. مراعاة حال المخاطب
كان يخاطب كل قوم بما يفهمون:
مع الأعرابي يوجز ويستعمل ما يألفه من صور الصحراء.
مع الوفود يفصّل ويرتب.
مع الطفل يلاطف ويقارب، كقوله للغلام: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». متفق عليه. ثلاث جمل قصيرة مرتبة، تناسب عمر المخاطب تمامًا.
وهذا هو عين تعريف البلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
4. التكرار عند الحاجة
كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتُفهم عنه، كما في البخاري. فالتكرار عنده أداة تعليمية لا حشوًا، ويقع حيث يحتاجه السامع لا في كل موضع.
5. الاستعانة بالصورة
لم يكن يقرر المعنى مجردًا، بل يحوّله إلى مشهد: الجسد الذي يتداعى، والبنيان الذي يشد بعضه بعضًا، وحامل المسك ونافخ الكير. وقد سبق تفصيل ذلك في مقال مستقل.
6. ترك التكلف والسجع المتصنّع
أنكر صلى الله عليه وسلم السجع المتكلف حين سمعه في موضع، فقال: «أَسَجْعًا كَسَجْعِ الْكُهَّانِ؟». رواه البخاري.
ومع أن في كلامه سجعًا كثيرًا جميلًا، إلا أنه سجع يأتي عفوًا تابعًا للمعنى، لا يُطلب لذاته ولا يُقحم المعنى لأجله. وهذا هو الفرق بين السجع المقبول والمذموم.
7. البعد عن الفحش في اللفظ
وُصف بأنه لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، كما في الصحيح. وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، وربما عرّض ولم يصرّح، كقوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»، فيعم في اللفظ ويُصلح في المعنى دون أن يفضح أحدًا.
8. استعمال الاستفهام والحوار
كثيرًا ما كان يبدأ بسؤال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»، «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟». رواه مسلم. فيجيب الصحابة بما عندهم، فيصحح لهم. وهذا أسلوب تعليمي محكم، لأن الجواب الذي يأتي بعد سؤال أرسخ من الجواب المبتدأ.
9. التدرج في البناء
كان يقرر القاعدة ثم يمثّل، كما في حديث النيات: قاعدتان مجردتان ثم مثال الهجرة. وهذا بناء تعليمي متكامل.
10. الثبات على المعنى مع تنوع اللفظ
وهو يروي المعنى الواحد بألفاظ مختلفة بحسب المقام، دون أن يختل المعنى. وهذا يدل على تمكّن من اللغة لا على حفظ عبارات.
11. الاقتصاد في الحلف والتوكيد
كان يوكّد حيث يحتاج التوكيد، ولا يكثر منه فيفقد أثره. ومن أشهر ما ورد في ذلك قسمه بقوله «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» في مواضع بعينها، فإذا سمعه الصحابة عرفوا أن ما بعده عظيم. ولو كثر القسم لذهبت هذه الدلالة.
وهذه قاعدة عامة في الخطاب: أداة التوكيد تفقد قوتها بكثرة الاستعمال، فمن أكثر من التأكيد لم يعد لتأكيده معنى.
ثالثًا: لماذا كان أفصح العرب؟
يُروى عنه صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى أثر مشهور، وقد تكلم أهل الحديث في ثبوت لفظه، فالأولى الاستدلال على فصاحته بكلامه نفسه لا بأثر متنازع فيه.
وأسباب فصاحته من الناحية البشرية معروفة:
نشأته في قريش، وهي من أفصح العرب لسانًا لاجتماع العرب عندها في الموسم.
استرضاعه في بني سعد، وكانت بواديهم أسلم لسانًا من لغات الحضر.
سماعه من الوفود التي كانت تفد عليه من قبائل شتى، فاجتمعت عنده لغات العرب.
وفوق ذلك كله التوفيق الإلهي، فهو مبلّغ عن ربه، ومن كُلّف بالبيان أُعين عليه.
وممارسته الخطابة والتعليم سنوات طويلة، فالملكة تنمو بالاستعمال، وقد خاطب الأفراد والوفود والجيوش في مقامات لا تُحصى.
رابعًا: الفرق بين فصاحته وإعجاز القرآن
مسألة يجب تحريرها لئلا يقع اللبس:
القرآن معجز، تحدّى الله به العرب أن يأتوا بمثله فعجزوا، وهو كلام الله لفظًا ومعنى.
كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصيح بليغ في أعلى درجات البشر، لكنه كلام بشر، ولم يقع به تحدٍّ ولا دعوى إعجاز.
ولهذا كان الصحابة يميزون بين ما هو قرآن وما هو حديث، ولم يلتبس عليهم أمرهما قط، مع أنهم أهل اللسان. وفي هذا التمييز نفسه دليل على اختلاف المرتبتين.
خامسًا: شواهد تطبيقية على كل خاصية
لعل أوضح طريقة لإدراك هذه الخصائص أن نعرضها في نصوص بعينها:
في الإيجاز: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». جملتان، جُعل فيهما الدين كله نصيحة على سبيل الحصر، ثم فُصّلت في بقية الحديث الذي رواه مسلم.
في التشبيه: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ». صورتان متقابلتان من حياة السامعين، ليس فيهما لفظ غريب.
في مراعاة الحال: لما سأله رجل عن أحق الناس بحسن الصحبة، كرر له: أمك، ثلاثًا، ثم قال: أبوك. فالتكرار هنا ترتيب للأولوية لا حشو، وقد أفاد ما لا تفيده عبارة طويلة في بيان التفاوت.
في الحوار: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» ثم انتظر الجواب ثم صحّحه. فجعل السامع يفكر قبل أن يتلقى.
في الرفق باللفظ: كان يقول عند الإنكار العام: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ»، فيصلح دون أن يجرح.
الملاحظة الجامعة: ليست هذه خصائص متفرقة بل منظومة واحدة. فالإيجاز يخدم الوضوح، والوضوح يخدم مراعاة الحال، ومراعاة الحال تقتضي الصورة أو الحوار بحسب المخاطب. وكل خاصية تستدعي أختها.
سادسًا: دروس عملية لمن يكتب أو يتحدث
ما سبق ليس تأملًا نظريًا، بل يمكن تحويله إلى ممارسة:
احذف ما لا يضيف. اقرأ ما كتبت واسأل عند كل جملة: ماذا يفوت لو حذفتها؟ فإن لم يفت شيء فاحذفها.
اكتب لمن لا يعرف موضوعك. الوضوح مقياسه أن يفهمك من هو خارج مجالك، لا من يشاركك خلفيتك.
حوّل كل معنى مجرد إلى صورة. فالتقرير يُنسى والصورة تبقى.
اسأل قبل أن تقرر. السؤال يُشرك القارئ، وما يصل إليه بنفسه أرسخ مما تلقيه إليه.
لا تتكلف الزخرفة. فالسجع المتصنع والاستعارة البعيدة يشغلان عن المعنى بدل أن يخدماه.
انتقد نفسك بالمقياس النبوي: هل يمكن عدّ كلامي؟ أي هل هو موزون مقتصد، أم أنه مسترسل يضيع فيه المعنى؟
كرر ما يحتاج تكرارًا فقط. فالتكرار في موضعه تثبيت، وفي غير موضعه ثقل ينفّر السامع.
والقاعدة الجامعة: البلاغة ليست أن تقول كلامًا جميلًا، بل أن تقول المعنى الصحيح، بالقدر الكافي، للشخص المناسب، في الوقت المناسب. وهذا بالضبط ما تعنيه عبارة "مطابقة مقتضى الحال".
أسئلة شائعة
ما معنى جوامع الكلم؟ أن يجمع اللفظ القليل معاني كثيرة، دون إخلال ولا غموض، وهو من خصائص كلامه صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر بذلك عن نفسه.
ما الفرق بين الفصاحة والبلاغة؟ الفصاحة وصف لسلامة اللفظ ووضوحه، والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته.
هل في كلام النبي سجع؟ نعم، لكنه سجع يأتي تابعًا للمعنى لا مقصودًا لذاته، وقد أنكر السجع المتكلف صراحة. والفرق بينهما في القصد لا في الصورة.
كيف نستفيد من الفصاحة النبوية عمليًا؟ بتعلم ثلاثة أشياء: الإيجاز، والوضوح، ومخاطبة كل إنسان بما يفهم. وهذه الثلاثة تنفع في كل مجال لا في الوعظ وحده.
هل كلامه صلى الله عليه وسلم معجز كالقرآن؟ لا، فالإعجاز خاصية للقرآن وحده، وكلامه غاية في الفصاحة البشرية دون أن يكون في مرتبة الإعجاز.
هل رُوي الحديث بلفظه دائمًا؟ كثير منه رُوي بلفظه، وبعضه رُوي بالمعنى، وقد بحث المحدثون هذه المسألة بحثًا دقيقًا ووضعوا لها شروطًا صارمة حفاظًا على المعنى.
لماذا نبحث في بلاغة الحديث أصلًا؟ لأن فهم الأسلوب يعين على فهم المراد، فكثير من الخلاف في فهم النصوص سببه إغفال دلالة الصيغة والسياق.
ما أنفع كتاب للمبتدئ في هذا الباب؟ يُنصح بالبدء بمتون البلاغة المختصرة لضبط المصطلحات، ثم بشروح الأحاديث التي تعنى بالجانب البياني، فالجمع بين الأداة والتطبيق هو الطريق.
الخلاصة
فصاحته صلى الله عليه وسلم لم تكن في غرابة اللفظ ولا في زخرفة العبارة، بل في ثلاثة أمور: أن يقول القليل فيغني عن الكثير، وأن يفهمه كل سامع على اختلاف مستوياتهم، وأن يخاطب كل حال بما يناسبها.
وإن أردت أن تتعلم منها، فابدأ بتمرين واحد: خذ فكرة تريد قولها، واكتبها في ثلاثة أسطر، ثم اختصرها إلى سطر، ثم إلى جملة. وفي كل مرة اسأل: هل ضاع معنى؟ فإن لم يضِع فأنت على الطريق. وهذا التمرين البسيط يعلّمك من أدب الكلام ما لا تعلّمه الكتب.
وستكتشف بعد مدة أن أصعب ما في الكتابة ليس أن تجد الكلمات، بل أن تحذفها. وهذا بالضبط ما يفرّق بين من يملك اللغة ومن تملكه.

0 تعليقات